محمد بن جرير الطبري

26

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : أخبرنا معمر ، قال : ثنا ابن شهاب ، عن علي بن حسين ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في نفر من أصحابه ، قال : فرمي بنجم ، ثم ذكر نحوه ، إلا أنه زاد فيه : قلت للزهري : أكان يرمى بها في الجاهلية ؟ قال : نعم ، ولكنها غلظت حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم . حدثني علي بن داود ، قال : ثنا عاصم بن علي ، قال : ثنا أبي علي بن عاصم ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان للجن مقاعد في السماء يسمعون الوحي ، وكان الوحي إذا أوحي سمعت الملائكة كهيئة الحديدة يرمي بها على الصفوان ، فإذا سمعت الملائكة صلصلة الوحي خر لجباههم من في السماء من الملائكة ، فإذا نزل عليهم أصحاب الوحي قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ قال : فيتنادون ، قال : ربكم الحق وهو العلي الكبير ؛ قال : فإذا أنزل إلى السماء الدنيا ، قالوا : يكون في الأرض كذا وكذا موتا ، وكذا وكذا حياة . وكذا وكذا جدوبة ، وكذا وكذا خصبا ، وما يريد أن يصنع ، وما يريد أن يبتدئ تبارك وتعالى ، فنزلت الجن . فأوحوا إلى أوليائهم من الإنس ، مما يكون في الأرض ، فبيناهم كذلك ، إذ بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم ، فزجرت الشياطين عن السماء ورموهم بكواكب ، فجعل لا يصعد أحد منهم إلا احترق ، وفزع أهل الأرض لما رأوا في الكواكب ، ولم يكن قبل ذلك ، وقالوا : هلك من في السماء ، وكان أهل الطائف أول من فزع ، فينطلق الرجل إلى إبله ، فينحر كل يوم بعيرا لآلهتهم ، وينطلق صاحب الغنم ، فيذبح كل يوم شاة ، وينطلق صاحب البقر . فيذبح كل يوم بقرة ، فقال لهم رجل : ويلكم لا تهلكوا أموالكم ، فإن معالمكم من الكواكب التي تهتدون بها لم يسقط منها شيء ، فأقلعوا وقد أسرعوا في أموالهم . وقال إبليس : حدث في الأرض حدث ، فأتي من كل أرض بتربة ، فجعل لا يؤتى بتربة أرض إلا شمها ، فلما أتي بتربة تهامة قال : هاهنا حدث الحدث ، وصرف الله إليه نفرا من الجن وهو يقرأ القرآن ، فقالوا : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً حتى ختم الآية ، فولوا إلى قومهم منذرين . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن لهيعة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن عروة ، عن عائشة أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر ما قضي في السماء ، فتسترق الشياطين السمع ، فتسمعه فتوحيه إلى الكهان ، فيكذبون معها مئة كذبة من عند أنفسهم " فهذه الأخبار تنبئ عن أن الشياطين تسمع ، ولكنها ترمى بالشهب لئلا تسمع . فإن ظن ظان أنه لما كان في الكلام " وإلى " ، كان التسمع أولى بالكلام من السمع ، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن ، وذلك أن العرب تقول : سمعت فلانا يقول كذا ، وسمعت إلى فلان يقول كذا ، وسمعت من فلان . وتأويل الكلام : إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب . وحفظا من كل شيطان مارد أن لا يسمع إلى الملإ الأعلى ، فحذفت " إن " اكتفاء بدلالة الكلام عليها ، كما قيل : كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ بمعنى : أن لا يؤمنوا به ؛ ولو كان مكان " لا " أن ، لكان فصيحا ، كما قيل : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا بمعنى : أن لا تضلوا ، وكما قال : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ بمعنى : أن لا تميد بكم . والعرب قد تجزم مع " لا " في مثل هذا الموضع من الكلام ، فتقول : ربطت الفرس لا ينفلت ، كما قال بعض بني عقيل : حتى رأينا أحسن الود بيننا * مساكنة لا يقرف الشر قارف